قصص السيرة · الهجرة

أم سلمة رضي الله عنها: مزّقوا عائلتها ثلاث قطع

في صباحٍ واحد احتجز قومٌ الزوجة، وأخذ قومٌ آخرون الرضيع، واضطُرّ الزوج أن يمضي إلى المدينة وحده. وما فعلته بعد ذلك استغرق قرابة عام — ثم كانت رحلة الصحراء.

قصص السيرة · ٢٦ يوليو ٢٠٢٦

نقشٌ لصخرةٍ منفردة وبِركةٍ ضحلة عند مدخل وادٍ خالٍ، وظلالٌ طويلة تمتدّ نحو أفق مكة البعيد، بأسلوب رحلة الصحراء لسيرة كويست
الوادي المفتوح على أطراف مكة — حيث كانت تخرج كل صباح فتبكي، كما تذكر كتب السيرة، قرابة عام.

أم سلمة — هند بنت أبي أمية رضي الله عنها — وُلدت في بيتٍ من أعزّ بيوت مكة. كانت هي وزوجها أبو سلمة رضي الله عنه من السابقين إلى الإسلام، ومن أوائل من دفعوا ثمنه: فقد هاجرا من قبلُ إلى الحبشة. فلمّا انفتح طريق المدينة تجهّزا من جديد. لكنهما لم يبلغاها معاً.

أسرةٌ تمزّقت في صباح

أركبها البعير وابنُهما الصغير سلمة في حِجرها، وخرج بهما من مكة. وقبل أن يجاوزا البلد اعترض قومُها — بنو المغيرة — البعيرَ وردّوها: لا يَدَعون ابنةً لهم تُحمل إلى الصحراء. ثم جاء قومُ زوجها، بنو عبد الأسد، فادّعوا الولد لأنفسهم. وتذكر كتب السيرة أن الغلام تُجوذب بين الأسرتين حتى خُلعت يده.

ثلاث قطع، في قدر ما تطلع الشمس فوق الجبال. الأم عند قوم، والابن عند قومٍ آخرين، والأب على طريق المدينة وحده، إذ لم يبقَ في مكة ما يبقى لأجله.

كانت تخرج كل غداةٍ إلى الوادي فتبكي حتى تُمسي — قرابة عام. — كما في سيرة ابن إسحاق

عامٌ في الوادي

تذكر كتب السيرة أنها ظلّت قرابة عام تخرج إلى الأبطح — ذلك الوادي المفتوح على طرف مكة — فتجلس وتبكي حتى الليل، ثم تعود، ثم تعود إليه في الغد. لم تُشعِل ثورة، ولم تسكت أيضاً. إنما أبَت أن يصير حزنُها خفيّاً.

وفي النهاية رقّ لها رجلٌ من بني عمّها. رآها هناك مرة أخرى فالتفت إلى قومه: ألا تُخرجون هذه المسكينة؟ فأطلقوها، وردّ بنو عبد الأسد إليها ابنها.

الرحلة

ثم فعلت ما لم يتوقّعه أحد: وضعت سلمة في حِجرها، وركبت بعيرها، وخرجت إلى المدينة عبر الصحراء المفتوحة، وليس معها أحد.

وعند التنعيم، قريباً من مكة، لقيها عثمان بن طلحة — وكان يومئذٍ ما يزال على دين قومه. فلمّا علم أين تقصد أخذ بخطام البعير ومشى بها الطريق كلّه، ينزل كل ليلة بعيداً عنها إكراماً لها، حتى أبلغها قُباء، ثم رجع إلى مكة. وكانت تقول بعد ذلك إنها ما صحبت في سفرٍ أكرم منه.

الرأي الذي كان ينبغي أن يُسمَع

ثم مات أبو سلمة بجرحٍ أصابه يوم أُحد. فقالت أم سلمة الكلمات التي علّمها النبي ﷺ لساعة المصيبة — «اللهم أجُرني في مصيبتي واخلُف لي خيراً منها» — وهي تقول إنها ما كانت تعرف من هو خيرٌ من أبي سلمة. ثم تزوّجها رسول الله ﷺ نفسه. وهي تروي ذلك عن نفسها في صحيح مسلم (٩١٨).

وبعد سنين، في الحديبية، كُتب الصلح على شروطٍ وجدها الصحابة مُرّة. فأمرهم النبي ﷺ أن ينحروا هديهم ويحلقوا رؤوسهم، فما قام منهم رجل. فدخل الخيمة مغتمّاً وذكر ذلك لأم سلمة. وكان رأيها بسيطاً: اخرُج ولا تكلّم أحداً، وانحر بُدنك وادعُ حالقك. ففعل — فلمّا رآه الناس قاموا فنحروا وحلقوا. وهذا الخبر في صحيح البخاري (٢٧٣١–٢٧٣٢).

فالمرأة التي انتُزعت من أهلها صارت أُمّاً للمؤمنين، ومن أحكم أصوات الإسلام. وليست وحدها من حملت الهجرة على ظهرها — اقرأ عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها «ذات النطاقين» ← أو عن أم أيمن رضي الله عنها، التي ربّت نبيّاً يتيماً ←

شاهد القصة

المصادر: التفريق بمكة، والعام في الوادي، والرحلة بصحبة عثمان بن طلحة — كتب السيرة (ابن إسحاق / ابن هشام)؛ وهي أخبار سيرة مشهورة، لا أحاديث من الصحيحين. الدعاء بعد وفاة أبي سلمة — صحيح مسلم ٩١٨. مشورتها يوم الحديبية — صحيح البخاري ٢٧٣١–٢٧٣٢. لم يُختلق حوار؛ وحيث ورد كلامٌ في السيرة فقد نُقل بالمعنى. الترضّي: «رضي الله عنها/عنه». وذُكر عثمان بن طلحة بلا ترضٍّ لأنه لم يكن قد أسلم في تلك اللحظة من القصة.

تعرّف على أهل السيرة — قليلاً كل يوم

أم سلمة واحدة من عشرات الصحابة الذين ستلتقيهم في سيرة كويست: 78 فصلاً، ودروس يومية قصيرة، بالعربية والإنجليزية والفرنسية. ابدأ مجاناً.

www.sirahquest.com