قصص السيرة · مكة
أم أيمن رضي الله عنها: المرأة التي ربّت نبيًّا يتيمًا
فقد أباه قبل أن يولد، وأمَّه وهو ابن ستّ سنين. والتي بقيت كانت امرأة حبشية اسمها بَرَكة — وظلّ يزورها ما بقي حيّاً.
قصص السيرة · ٢٦ يوليو ٢٠٢٦
كان اسمها بَرَكة. يذكر أهل التراجم أنها امرأة حبشية كانت في بيت عبد الله بن عبد المطلب — والد النبي — الذي مات قبل أن يولد ابنه. فلمّا ماتت آمنة بعد سنوات في طريق العودة من يثرب، كان الغلام في نحو السادسة، ولم يبقَ له والد ولا والدة.
وبقيت بركة. وسيُعرَف اسمها في التاريخ بعد ذلك: أم أيمن.
ما هو ثابت، وما هو مرويّ فحسب
يحسُن أن نبيّن مرتبة كل خبر. أما تفاصيل حياتها — حبشية، في بيت عبد الله، أعتقها النبي ﷺ قرابة زواجه — فمصدرها كتب التراجم والطبقات (ابن سعد، وابن عبد البرّ، وابن الأثير، والذهبي)، لا الصحيحان.
وأما الذي في صحيح البخاري (٣٧٣٧) فهو الأهمّ: أن أم أيمن كانت ممّن حضَنَ النبي ﷺ وربّاه، وأن محبّته امتدّت إلى ولدها وولد ولدها — فقد رأى ابنُ عمر رضي الله عنهما حفيدَها بعد سنين فقال: لو رآه رسول الله ﷺ لأحبّه.
ثم أُعتِقت. وتزوّجت عُبيداً الخزرجيّ فولدت له أيمن — ومن هنا كُنيتها. ثم تزوّجت زيد بن حارثة رضي الله عنه، فكان ابنهما أسامة بن زيد رضي الله عنهما، القائد الشابّ الذي أحبّه النبي ﷺ؛ ونسب أسامة ثابت في الصحيحين. وهاجرت إلى الحبشة، وهاجرت إلى المدينة. وكلّ ما دفعته الجماعة دفعَته هي.
الزيارة بعد الجنازة
لمّا تُوفّي النبي ﷺ قال أبو بكر رضي الله عنه لعمر رضي الله عنه: انطلق بنا إلى أم أيمن نزورها كما كان رسول الله ﷺ يزورها. وتأمّل هذا: كان سببُ ذهابهما أنه ﷺ كان يذهب. فقد كانت زيارتها من عاداته، من مكة إلى آخر أيامه.
فلمّا بلغاها بكت. فقالا لها: ما يُبكيكِ؟ ما عند الله خيرٌ لرسوله ﷺ. فأجابت أنها تعلم ذلك تمام العلم، وليس هذا سبب بكائها؛ إنما تبكي أن الوحي قد انقطع من السماء. فبكيا معها.
هذا الخبر في صحيح مسلم (٢٤٥٤). امرأة عتيقة مسنّة سمَّت في جملةٍ واحدة الفقدَ الذي لم يجرؤ أكبرُ رجلين في الأمة على قوله بعد — فانهارا معها.
ما تركناه عمداً
تُروى قصة أم أيمن عادةً بزيادتين مشهورتين: قولٌ إنها «أمّي بعد أمّي»، ومعجزةُ ماءٍ أُنزل من السماء حين عطشت في الطريق. وكلاهما شائع، وكلاهما ضعيف عند أهل الحديث — الأول مُرسَل، والثاني منقطع. فتركناهما في الفيديو، ونتركهما هنا.
وقصّتها لا تحتاج إليهما. امرأة لا مكانة لها في مكة ربَّت يتيماً صار نبيّاً، وحفظت بيته، وهاجرت مرّتين، وظلّ كبار الأمة يزورونها بعد وفاته. وكلّ ركنٍ من هذا قائم على الروايات الصحيحة وحدها.
ولامرأةٍ أخرى سجّلت السيرة شجاعتها بوضوح، اقرأ عن أم سلمة رضي الله عنها، التي مُزّقت أسرتها ثلاث قطع على طريق المدينة ← أو عن خديجة رضي الله عنها، أوّل من آمن ←
شاهد القصة
المصادر: كونُ أم أيمن ممّن حضَنَ النبي ﷺ وربّاه، ومحبّته لذرّيتها — صحيح البخاري ٣٧٣٧. زيارة أبي بكر وعمر وقولها في انقطاع الوحي — صحيح مسلم ٢٤٥٤. نسب أسامة بن زيد — الصحيحان. أصلها الحبشيّ، ومكانها في بيت عبد الله، وعتقها، وزواجاها — كتب التراجم (طبقات ابن سعد، والاستيعاب لابن عبد البرّ، وأسد الغابة لابن الأثير، وسِيَر الذهبي)، لا الصحيحان. وتُرك عمداً لضعفه: حديث «أمّي بعد أمّي»، ومعجزة العطش. الترضّي: «رضي الله عنها/عنه». والفيديو أعلاه بالإنجليزية.
تعرّف على أهل السيرة — قليلاً كل يوم
أم أيمن واحدة من عشرات الصحابة الذين ستلتقيهم في سيرة كويست: 78 فصلاً، ودروس يومية قصيرة، بالعربية والإنجليزية والفرنسية. ابدأ مجاناً.