قصص السيرة · الصحابة
جُلَيْبِيب رضي الله عنه: «هو مني وأنا منه»
لم يكن له نسبٌ يُعرَف، ولا بيتٌ يُنسَب إليه. وبعد إحدى غزوات النبي ﷺ تفقّد الصحابةُ أنفسهم فلم يجدوا أحداً مفقوداً — فقال النبي ﷺ: «لكني أفقد جُليبيباً».
قصص السيرة · ٢٦ يوليو ٢٠٢٦
أكثر الصحابة الذين نتذكّرهم يدخلون القصة ومعهم اسمٌ يسبقهم — قبيلةٌ، أو أبٌ، أو بيت. أما جُلَيْبِيب فلم يكن معه شيء من ذلك. تصفه كتب التراجم برجلٍ من أهل المدينة مجهول النسب، قصير القامة، لا لفت في هيئته؛ بل اسمه نفسه تصغيرٌ، من الأسماء التي تنبئك بمقدار ما كانت المدينة تراه.
كان في أعين جيرانه لا أحد. ولهذا بالذات بقيت قصته في الكتب.
الخِطبة التي لم يتوقّعها أحد
خبر زواجه محفوظ في مسند أحمد (١٩٧٨٤) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه — وقد حكم متأخرو أهل الحديث، ومنهم شعيب الأرنؤوط، بصحة إسناده، وإن لم يكن في الصحيحين.
جاء فيه أن النبي ﷺ أتى رجلاً من الأنصار يخطب إليه ابنته — لجُليبيب. فقال الأب: حتى أستأمر أمها. فكان جواب الأم فورياً بلا مواربة: جُليبيب؟ لا — وقد رددنا من هو خيرٌ منه.
وسمعت الفتاة ذلك من وراء سترها. فسألت: ومَن الخاطب؟ فلما علمت أن الخطبة من رسول الله ﷺ نفسه، أجابت أبويها بكلمةٍ بقيت بعد كل من كان في ذلك البيت.
فزُوّجت جُليبيباً، وفي الرواية نفسها أن النبي ﷺ دعا لها: أن يصبّ الله عليها الخير صبّاً، ولا يجعل عيشها كَدّاً.
«لكني أفقد جُليبيباً»
وبقية الخبر في صحيح مسلم ٢٤٧٢ من حديث أبي بَرْزة الأسلمي رضي الله عنه — صحيحٌ لا مِرية فيه، ومن أشدّ ما في الصحيح وقعاً في النفس.
بعد إحدى الغزوات سأل النبي ﷺ أصحابه: هل تفقدون من أحد؟ فسمّوا. ثم سأل ثانيةً، فسمّوا. ثم سأل ثالثةً فقالوا: لا. فقال: «لكني أفقد جُليبيباً».
فالتمسوه في القتلى فوجدوه إلى جنب سبعةٍ قد قاتلهم ثم قُتل. فجاء النبي ﷺ فوقف عليه وقال: «قتل سبعةً ثم قتلوه؟ هذا مني وأنا منه».
ثم — كما تمضي الرواية — وضعه على ساعديه، فما كان له سريرٌ إلا ساعدا رسول الله ﷺ. ثم حُفر له، ووُضع في قبره.
لماذا تهمّنا قصته
تأمّل ما بُني عليه الحديث حقاً. ليست السبعة، بل التفقّد: جيشٌ كامل يتفقّد نفسه فلا ينتبه أن جُليبيباً غائب. واحدٌ فقط انتبه. وهو الذي انتباهه هو الذي يُعتدّ به.
لم يكن لجُليبيب نسبٌ يتّكئ عليه، ولا مال، ولا مكانة — وهو تماماً الوصف الذي تعوّد مجتمعه أن يتجاوزه. والسيرة مملوءة بهذا الانقلاب: أناسٌ شطبتهم الدنيا، رفعهم الإسلام إلى منزلةٍ ما كانت الدنيا لتمنحها لهم. اقرأ كيف صار أربعةٌ من المستضعفين صحابةً ←
فإن شعرتَ يوماً أنك ذاك الذي لا يفتقده أحد في التعداد، فهذا الحديث موجَّهٌ إليك.
شاهد القصة
المصادر: تفقّد النبي ﷺ له، والسبعة، وقوله «هو مني وأنا منه»، ودفنه — صحيح مسلم ٢٤٧٢ (أبو بَرْزة الأسلمي). خبر الزواج وجواب الفتاة والدعاء لها — مسند أحمد ١٩٧٨٤ (أنس بن مالك)، صحيح الإسناد عند متأخري أهل الحديث، وهو خارج الصحيحين. وصف جُليبيب وجهالة نسبه — كتب التراجم (ابن الأثير في «أسد الغابة»، وابن حجر في «الإصابة»). ولم يُسمِّ صحيح مسلم الغزوة، فلم نُسمِّها. تنبيه: جرى التمييز بين ما في الصحيح وما هو خارجه. الفيديو باللغة الإنجليزية.
تعرّف على أهل السيرة — قليلاً كل يوم
جُليبيب واحد من عشرات الصحابة الذين ستلتقيهم في سيرة كويست: 78 فصلاً، ودروس يومية قصيرة، بالعربية والإنجليزية والفرنسية. ابدأ مجاناً.