قصص السيرة · الهجرة إلى الحبشة

جعفر بن أبي طالب أمام النجاشي: الملك الذي بكى

وقف نفرٌ من المهاجرين في بلاطٍ غريب، والخيار المعروض عليهم بسيط: أن يُقنعوا الملك، أو يُردّوا إلى من أخرجوهم من ديارهم.

قصص السيرة · ٢٦ يوليو ٢٠٢٦

نقشٌ لمصحفٍ مزخرفٍ مفتوحٍ على رَحْلٍ خشبيّ في قاعةٍ عاليةٍ ذات أعمدةٍ يتنزّل عليها الضوء من أعلى، بأسلوب رحلة الصحراء لسيرة كويست
تلاوةٌ في قاعة ملك — اللحظة التي لم تعد فيها المحاجّة محاجّة.

قبل المدينة، وقبل الهجرة التي يذكرها الناس جميعاً، كانت هناك هجرةٌ أصغر وأشدّ اضطراراً. فقد اشتدّ الأذى بمكة على ضعفاء المسلمين الأوائل، فأشار عليهم النبي ﷺ أن يعبروا البحر إلى الحبشة، فإن بها — كما قال — مَلِكاً لا يُظلَم عنده أحد.

فخرجت طائفةٌ أولى قليلة، ثم تبعتها طائفةٌ أكبر، وفيها جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه، ابن عمّ النبي ﷺ وأخو عليٍّ رضي الله عنه الأكبر.

وبعثت قريش بالهدايا

لم تدعهم مكة وشأنهم. تذكر كتب السيرة أن قريشاً بعثت رجلين — عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة، وكانا يومئذٍ على شركهما — محمَّلَين بالأُدُم التي تُعجب أهل الحبشة، ليستردّا المهاجرين. وكانت حجّتهما عند النجاشي أن هؤلاء سفهاءُ أحداثٌ فارقوا دين قومهم وأتوا بدينٍ مُبتدَع.

ففعل النجاشي ما كان الرسولان يرجوان ألّا يفعله: دعا القوم وأتاحَ لهم الجواب.

«ما هذا الدين الذي أنتم عليه؟»

فتكلّم جعفر رضي الله عنه عنهم. والخبر الذي بين أيدينا من رواية أمّ سلمة رضي الله عنها، وكانت حاضرة؛ رواه عنها أهل السيرة، وهو في سيرة ابن إسحاق (برواية ابن هشام) وفي مسند أحمد (٢٢٤٩٨)، وحسّن إسنادَه المحدّث شعيب الأرناؤوط.

ولم يبدأ بالكلام في العقيدة، بل بوصف الحياة التي تركوها: قومٌ أهلُ جاهلية، يعبدون الأصنام، ويأكلون الميتة، ويأتون الفواحش، ويقطعون الرحم، ويسيئون الجوار، يأكل قويّهم ضعيفهم. ثم قال: فبعث الله فينا رجلاً منّا نعرف نسبه وصدقه وأمانته، فدعانا إلى أن نعبد الله وحده، وأن نصدق الحديث، ونؤدّي الأمانة، ونصل الرحم، ونُحسن الجوار، وأن نكفّ عن المحارم والدماء. فلمّا فعلنا ذلك عدا علينا قومنا — فخرجنا إلى بلادك، واخترناك على من سواك، ورجونا ألّا نُظلَم عندك.

لم يُخرِج الملكَ من دينه بالجدل، وإنما صدَقه الخبر عن دينه هو — ثم تلاه عليه.

سورة مريم، وملكٌ يبكي

فسأله النجاشي: هل معك ممّا جاء به عن الله من شيء؟ فقرأ عليه جعفر رضي الله عنه صدر سورة مريم — خبر زكريا ومريم وميلاد عيسى عليهم السلام.

وفي رواية أمّ سلمة رضي الله عنها أن النجاشي بكى حتى اخضلّت لحيته، وبكى أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم. وقال للرسولَين: إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مِشكاةٍ واحدة. وردّ عليهما هداياهما، وأبى أن يُسلم إليهما أحداً من المسلمين.

ولا يُذكر النجاشي هنا بترضٍّ ولا تسليم؛ فقد كان في تلك اللحظة ملكاً نصرانياً أنصفَ. ولمّا مات بعد ذلك نعاه النبي ﷺ لأصحابه بالمدينة في اليوم الذي مات فيه وصلّى عليه — كما في صحيح البخاري (١٢٤٥).

الراية يوم مؤتة

ثم لحق جعفر رضي الله عنه بالمسلمين في المدينة، وخرج سنة ثمانٍ للهجرة إلى مؤتة ثانيَ الأمراء. وروى ابن عمر رضي الله عنهما أنهم التمسوا جسده بين القتلى فوجدوا فيه بضعاً وتسعين جرحاً — صحيح البخاري (٤٢٦١). حمل الراية حتى لم يعد يستطيع حملها.

ويُذكر بلقب ذي الجناحين: ففي صحيح البخاري (٣٧٠٩) أن ابن عمر رضي الله عنهما كان إذا سلّم على ابن جعفر قال: «السلام عليك يا ابن ذي الجناحين». وأما خبر أن الله أبدله جناحين يطير بهما في الجنة فهو في كتب السنن (جامع الترمذي) لا في الصحيحين.

رجلٌ لم يكن سلاحه يوماً إلا الصدق يقوله بلا تكلّف في بلاطٍ غريب، ثم انتهى وهو يمسك رايةً أبى أن يُلقيها. اقرأ عن الأذى بمكة الذي هاجروا منه ←

شاهد القصة في ٩٠ ثانية

المصادر: الهجرة إلى الحبشة، ورسولا قريش، وخطبة جعفر رضي الله عنه، وتلاوة سورة مريم، وبكاء النجاشي — من رواية أمّ سلمة رضي الله عنها، في سيرة ابن إسحاق (برواية ابن هشام) وفي مسند أحمد ٢٢٤٩٨، وحسّن إسنادَه شعيب الأرناؤوط. نَعْيُ النبي ﷺ للنجاشي والصلاة عليه — صحيح البخاري ١٢٤٥. استشهاد جعفر رضي الله عنه بمؤتة وعدد جراحه — صحيح البخاري ٤٢٦١. لقب «ابن ذي الجناحين» — صحيح البخاري ٣٧٠٩؛ وأما خبر الجناحين في الجنة فهو في كتب السنن (جامع الترمذي) لا في الصحيحين. الترضّي: ﷺ «صلى الله عليه وسلم»، ورضي الله عنه/عنها؛ والنجاشي — وهو غير مسلمٍ في سياق الخبر — لا يُذكر بترضٍّ.

تعرّف على الصحابة — قليلاً كل يوم

جعفر رضي الله عنه واحد من عشرات الصحابة الذين ستلتقيهم في سيرة كويست: 78 فصلاً، ودروس يومية قصيرة، بالعربية والإنجليزية والفرنسية. ابدأ مجاناً.

www.sirahquest.com